أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
217
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . استثناء مفرغ ، أي : لا تقربوه إلّا بالخصلة الحسنى ، فيجوز أن يكون حالا ، وأن يكون نعت مصدر . وأتى بصيغة التفضيل تنبيها على أنه يتحرى في ذلك ، ويفعل الأحسن ولا يكتفي بالحسن . قوله : حَتَّى يَبْلُغَ هذه غاية من حيث المعنى ، فإنّ المعنى : احفظوا ماله حتّى يبلغ أشدّه ، ولو جعلناه غاية للفظ لكان التقدير : لا تقربوه حتّى يبلغ فاقربوه ، وليس ذلك مرادا . و « الأشدّ » اختلف النحويون فيه على خمسة أقوال ، فقيل : هو جمع لا واحد له ، وهو قول الفراء ، فإنّه قال : « الأشدّ » واحدها : « شدّ » في القياس ، ولم أسمع لها بواحد . وقيل : هو مفرد ، لا جمع ، نقل ابن الأنباري ذلك عن بعض أهل اللغة ، وأنه بمنزلة : « الآنك » . ونقل الشيخ عنه أن هذا الوجه مختاره في آخرين ، ثم قال : « وليس بمختار ، لفقدان « أفعل » في المفردات وضعا » . وقيل : هو جمع « شدّة » ، و « فعلة » يجمع على « أفعل » ك « نعمة وأنعم » ، قاله : أبو الهيثم ، وقال : « وكان الهاء في « الشّدّة ، والنّعمة » لم تكن في الحرف ، إذا كانت زائدة ، وكان الأصل : « نعم ، وشدّ » فجمعا على « أفعل » ، كما قالوا : رجل وأرجل ، وقدح وأقدح ، وضرس وأضرس ، « وقيل : هو جمع « شدّ » بضم الشين ، نقله ابن الأنباري عن بعض البصريين ، قال : « كقولك : هو ودّ ، وهم أودّ » . وقيل : هو جمع « شدّ » بفتحها ، وهو محتمل . والمراد هنا ببلوغ الأشدّ : بلوغ الحلم ، في قول الأكثر ، لأنه مظنة ذلك . وقيل : هو مبلغ الرجال من الحيلة والمعرفة . وقيل : هو أن يبلغ خمسة عشر إلى ثلاثين . وقيل : أن يبلغ ثلاثة وثلاثين . وقيل : أربعين . وقيل : ستين . وهذه لا تليق بهذه الآية ، إنما تليق بقوله تعالى : حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً « 1 » . والأشدّ : مشتق من الشّدّة ، وهي القوّة والجلادة ، وأنشد الفراء : 2134 - قد ساد وهو فتى حتّى إذا بلغت * أشدّه وعلا في الأمر واجتمعا « 2 » وقيل : أصله من الارتفاع ، من شدّ النهار ، إذا ارتفع وعلا ، قال عنترة : 2135 - عهدي به شدّ النّهار كأنّما * خضب البنان ورأسه بالعظلم « 3 » و « الْكَيْلَ » وَالْمِيزانَ » هما : الآلة التي يكال بها ويوزن . وأصل « الْكَيْلَ » المصدر ثم أطلق على الآلة . و « الْمِيزانَ » : مفعال ، من الوزن لهذه الآلة ، كالمصباح والمقياس ، لما يستصبح به ويقاس . وأصل « ميزان » : « موزان » ، ففعل به ما فعل ب « ميقات » ، وقد تقدم في البقرة « 4 » . و « بِالْقِسْطِ » حال من فاعل « أَوْفُوا » ، أي : أوفوهما مقسطين ، أي : ملتبسين بالقسط ، ويجوز أن يكون حالا من المفعول ، أي : أوفوا الكيل والميزان بالقسط ، أي : تامّين . وقال أبو البقاء : « و « الْكَيْلَ » هنا مصدر في معنى المكيل ، وكذلك « الْمِيزانَ » ، ويجوز أن يكون فيه حذف مضاف ، تقديره : مكيل الكيل ، وموزون الميزان . « ولا حاجة إلى ما ادعاه من وقوع المصدر موقع اسم المفعول ، ولا من تقدير المضاف ، لأن المعنى صحيح بدونهما ، وأيضا فيه أنه ليس مصدرا ، إلّا أنه يعضد قوله ما قاله الواحدي ، فإنّه قال : « وَالْمِيزانَ » أي : وزن الميزان ، لأن المراد إتمام الوزن ، لا إتمام الميزان ، كما أنه قال :
--> ( 1 ) سورة الأحقاف ، آية ( 15 ) . ( 2 ) انظر البيت في التهذيب ( 1 / 401 ) ( جمع ) اللسان ( جمع ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 27 ) برواية ( مد النهار ) بدل ( شد النهار ) الخصائص ( 1 / 86 ) ، شرح القصائد للتبريزي ( 363 ) ، اللسان ( شدد ) . ( 4 ) آية ( 189 ) .